
في مشهد غير مألوف منذ عقود، تحولت شوارع حي ركن الدين – المعروف تقليديًا بـ"حي الأكراد" في العاصمة السورية دمشق – إلى ساحة احتفال نابضة بالحياة، حيث احتفل الأهالي بعيد "النوروز" بشكل علني، في خطوة تعكس تراجع القيود الأمنية التي فرضها حكم حزب البعث.
وقد أضأت شوارع ركن الدين بالمشاعل والأعلام الكردية، فيما انطلقت مسيرة منظمة من "مفرق وادي السفيرة" باتجاه ساحة شمدين، حيث أقيم احتفال خطابي واختتم بإيقاد الشموع وقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء الذين سقطوا خلال سنوات الصراع السوري.
وعلى ضوء المشاعل المتوهجة بالنار صعد الأكراد إلى جبل الباسوطة بريف عفرين شمال حلب في تقليد مماثل للخطوة التي قام بها رمز النصر لديهم "كاوه" الذي أعلن بإشعاله النار برأس الجبل ولادة يوم جديد بتاريخ الأكراد بعد القضاء على الحاكم الظالم الذي وصفوه بأنه كان يتغذى على جماجم أطفالهم.
ويُشبه الأكراد عيد النوروز هذا العام في سوريا الجديدة دون عهد استبداد ودكتاتورية نظام الأسد، بالخلاص من عهد الاستبداد الذي حل عليهم قبل 2725 عاما، عندما ولد فجر يوم جديد في حريتهم على يد كاوه حداد الذي قتل الملك الظالم زوهاك، بحسب قولهم.
وكان أعلن المكتب الإعلامي للجان ركن الدين قبل يوم من المناسبة عن دعوة مفتوحة لجميع أبناء سوريا للمشاركة في الاحتفالات، مشددًا على أن هذا الاحتفال يحمل رمزية مزدوجة: الاحتفال بالنوروز وتوديع حقبة القمع بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وفي شمال البلاد، شهدت المدن ذات الأغلبية الكردية مثل القامشلي وكوباني والحسكة وعفرين، احتفالات ضخمة وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، حيث شارك عشرات الآلاف في حلقات الرقص الفلكلوري وأغاني التراث الكردي وسط أجواء من الفرح والسعادة.
وفي لفتة ملحوظة، امتدت مظاهر الاحتفال بالنوروز إلى مناطق غير كردية، حيث شهدت مدن في الساحل السوري والسويداء جنوب البلاد إيقاد شعلة العيد، في تعبير عن تضامن الأهالي مع الشعب الكردي واحتفاء بالتعدد الثقافي الذي يشكل جزءًا من هوية سوريا المستقبلية. وقال الناشط شيار يونس إن هذه المشاهد تمثل تحولًا كبيرًا في الوعي الشعبي، موضحًا أن "النظام السابق استخدم سياسة التفرقة، لكنه فشل في اقتلاع التعايش المشترك بين السوريين".
شهد الاحتفال بالنوروز في سوريا أيضًا اهتمامًا واسعًا من قبل العديد من الفنانين السوريين، الذين وجهوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي رسائل تهنئة للشعب الكردي، مؤكدين أن النوروز هو مناسبة تهم جميع السوريين الذين يتطلعون لسوريا جديدة وديمقراطية. وكان الفنان سميح شقير من أبرز الحضور، حيث وصل إلى مدينة قامشلي لتقديم فقرة فنية خاصة بهذه المناسبة، وسط ترحيب حار من الجمهور.
النوروز: رمز للحرية في الذاكرة الكردية
عيد النوروز، الذي يصادف يوم الاعتدال الربيعي (21 مارس)، يعتبر رمزًا للحرية والخلاص في الذاكرة الكردية ويُحتفل به في مناطق كردية وإيرانية وأفغانية وأخرى في آسيا الوسطى. في سوريا، كان الاحتفال بالنوروز محظورًا لسنوات طويلة، وكان المشاركون في الاحتفالات يتعرضون للاعتقال والمضايقات الأمنية.